
الصحفي والباحث : محمد رائد كعكة
حين نتأمل خريطة الموسيقى العربية، تبرز مدينة حلب كنجمة ثابتة في سماء الطرب الأصيل، مدينة لم تكن مجرد حاضنة لفن الموشحات الأندلسية، بل كانت الوريث الحقيقي لذاكرة الأندلس الموسيقية بعد سقوطها. فقد احتضنت هذا الفن، وصقلته، ومنحته نكهة شرقية خاصة عُرفت لاحقًا بـ«المدرسة الحلبية»، حتى أصبحت حلب عاصمة الموشحات في المشرق العربي بلا منازع.
لم يكن هذا الدور وليد الصدفة؛ فحلب مدينة ضاربة في التاريخ، من أقدم مدن العالم المأهولة، ومركز تجاري وصناعي عظيم عبر العصور. وبفضل موقعها الاستراتيجي على طريق الحرير، كانت نقطة التقاء الحضارات والتجار والثقافات، من الصين وآسيا إلى البحر المتوسط. هذا التفاعل الحضاري العميق انعكس في فنونها، ومنها الموسيقى، فصارت بيئة مثالية لازدهار القوالب الغنائية المعقدة مثل الموشحات.
نشأت الموشحات في الأندلس كصيغة شعرية-موسيقية متقدمة تقوم على تعدد المقاطع والإيقاعات والمقامات، لكنها بعد سقوط الأندلس كادت أن تندثر لولا انتقالها إلى المشرق، حيث وجدت في حلب الأرض الخصبة للاستمرار. فقد حافظت المدينة على القالب الأندلسي، لكنها لم تكتفِ بالحفظ، بل أبدعت وأضافت، فظهرت الموشحات الحلبية بألحان أكثر ثراءً وإيقاعات أكثر تنوعًا، وأداء يقوم على الحوار الجماعي والارتجال الطربي، فكان ذلك التطوير امتدادًا حيًا للتراث الأندلسي لا مجرد تقليد له.
ومع الزمن، أصبحت حلب مدرسة قائمة بذاتها في الموشحات، يتعلم فيها المطربون ويُختبر فيها الطرب. وقد أنجبت المدينة أعلامًا كبارًا حملوا هذا الفن وخلّدوه، مثل الشيخ علي الدرويش، وعمر البطش عميد الوشاحين، وصالح الجذبة، وصبحي الحريري، ثم في القرن العشرين صباح فخري، وصبري مدلل، ومحمد خيري، وحسن حفار، وأديب الدايخ. هؤلاء لم يكونوا مجرد مؤدين، بل حفظة تراث ومجددين، نقلوا الموشح من الذاكرة الشفوية إلى فضاء الانتشار العربي.
ولم تقتصر مكانة حلب على أبنائها؛ فقد كانت مقصدًا لكبار موسيقيي العرب، الذين كانوا يرون في الغناء فيها امتحانًا حقيقيًا للفن. ومن أشهر الشواهد على ذلك ما يُروى عن موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، الذي كان يخشى الغناء في حلب لما عُرف عن جمهورها من سمعٍ دقيق وذائقة صارمة. ويُقال إن أول حفل له في المدينة حضره خمسة أشخاص فقط، لكنهم لم يكونوا جمهورًا عاديًا، بل من «السميعة»؛ أي العارفين المتذوقين للطرب. وقد استمعوا إليه، فلما طربوا أقرّوه ومنحوه ثقة الغناء في حلب. وتعبّر هذه الحكاية عن حقيقة ثقافية عميقة: أن الاعتراف الفني في حلب كان شهادة أصالة في عالم الطرب العربي.
كما ارتبطت حلب بعلاقة مؤثرة مع موسيقار النهضة المصرية سيد درويش، الذي قصدها ليتعلم الموشحات على أيدي أعلامها، مثل عمر البطش وصالح الجذبة. وقد انعكس هذا التكوين الحلبي في أعماله لاحقًا، فحمل إلى مصر روح الموشح وإيقاعه ومقاماته، وأسهم بذلك في تجديد الموسيقى العربية الحديثة. وهكذا لم تكن حلب مجرد متحف للموشحات، بل معهدًا حيًا لتخريج كبار المجددين.
لقد أدت حلب دورًا تاريخيًا حاسمًا في إنقاذ الموشحات الأندلسية من الضياع بعد سقوط الأندلس، فحفظتها في ذاكرتها الجمعية، وطوّرتها في ممارستها الفنية، ثم أعادت تصديرها إلى العالم العربي. ومن خلالها انتقل هذا الفن إلى مصر وغيرها، وأثر في القوالب الغنائية الكلاسيكية، مثل الدور والقصيدة والقدود، حتى أصبح جزءًا أساسيًا من الهوية الموسيقية العربية.
وهكذا يمكن القول إن الموشحات الأندلسية، وإن وُلدت في الأندلس، فقد عاشت وتجدّدت في حلب. فهذه المدينة، بتاريخها العريق وموقعها على طريق الحرير وثقافتها المنفتحة، لم تحفظ تراث الأندلس فحسب، بل أعادت خلقه في صيغة جديدة، ومنحت الموسيقى العربية أحد أعمق كنوزها الجمالية. ومن هنا بقي اسم حلب مقترنًا بالموشح، كما بقي الموشح شاهدًا على عبقرية حلب الفنية عبر القرون.




